
أيمن نور
@AymanNour · الخليج والعالم العربي
أيمن نور، سياسي مصري.
وجوه لا تغيب: كتاب إنساني يعيد الاعتبار لرموز مصر والأمة | حوار لندن https://t.co/VJbTSGrxtY via @YouTube
لماذا تبكي العدالة في مصر؟ شهادات صادمة عن الظلم والتعذيب | حوار لندن https://t.co/S62UTdEm5y via @YouTube
مصر الممكنة: بعد 70 عاماً من التخريب.. هل فات الأوان؟ | حوار لندن https://t.co/J4ix23OFDB via @YouTube
📷نعي واجب📷 📷يتقدم د. أيمن نور، رئيس مجلس إدارة قناة الشرق، بأسمه وبأسم جميع الزملاء في قناة الشرق وموقع «أخبار الغد»، بخالص العزاء وصادق المواساة إلى الزميل والصديق العزيز، الإعلامي محمد ناصر، في وفاة شقيقه الأستاذ علاء الدين، داخل سجن المنيا شديد الحراسة. 📷وكان الإعلامي محمد ناصر قد نعى شقيقه، الذي رحل عن عمر ناهز أربعة وستين عامًا، بعد نحو ثماني سنوات من الحبس الاحتياطي، منذ عام ألفين وثمانية عشر، وفقًا لما أوردته روايات حقوقية. 📷وكتب ناصر، في رسالة موجعة عبر صفحته على فيسبوك: «عشت راجل يا علاء.. ومت راجل.. استناني يا واد زي زمان في الغيطان». 📷رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وربط على قلب شقيقه وأسرته ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان. 📷إنا لله وإنا إليه راجعون📷.
اليوم 21 عاما ✴️أنا وسبتمبر المقال الأخير✴️ بقلم د. أيمن نور 🔸 أكتب هذا المقال الأخير كمن يضع نقطة في نهاية جملة امتدت واحدًا وعشرين عامًا، ثم يكتشف أن النقطة ليست نهاية، بل بابًا إلى جملة أخرى. فسبتمبر لم يكن شهرًا عابرًا في حياتي. كان كتابًا مفتوحًا على السجن والثورة والمنفى. وكان شاهدًا على وطن حاول أن يخرج من جلباب الفرعون، فحاصرته الغرف المغلقة، وأطفأت حوله الأنوار، وتركت له ذاكرته كي تقاوم. 🔸 لم تكن معركة السابع من سبتمبر عام ألفين وخمسة مجرد منافسة بين مرشح ورئيس. كانت مواجهة بين احتمالين لمصر. احتمال يفتح الطريق أمام التغيير، واحتمال يغلقه لمصلحة مشروع التوريث. كنت أعرف أنني لا أنافس رئيسًا عاديًا، بل أقترب من منطقة اعتاد أصحابها أن يعاملوا السلطة بوصفها ميراثًا عائليًا، وأن يروا في منافسة الحاكم جريمة لا يغفرها القانون، ولا تنساها الأسرة. 🔸 لم يكن مبارك وحده في المشهد. كانت هناك غرفة سياسية سوداء، تتقدمها سوزان مبارك، وعينها على إعداد جمال مبارك للوراثة. كان المطلوب ألا أبقى رقمًا صعبًا في وجه الابن إذا غاب الأب. وقد كتب أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مبارك، في مذكراته ما يفيد بأن اعتقالي استهدف منعي من منافسة جمال مبارك. كانت شهادة خرجت متأخرة من قلب النظام، بعد أن دفعنا نحن ثمن الحقيقة في خارجه. 🔸 كانت الطعنة الأخرى أن بعض رموز المعارضة اتهموني بأنني طرف في صفقة مع السلطة. وعندما كشفت الوقائع سذاجة الاتهام، لم يملك كثيرون شجاعة الاعتذار. اختاروا الصمت، ربما انتظارًا لفتات من موائد النظام في الانتخابات التشريعية التالية. وهكذا وجدت نفسي أواجه سلطة تخشى منافستي، ومعارضة يشكك بعضها في كل من يجرؤ على ما عجزت هي عن فعله. 🔸 أخرجوا نعمان جمعة إلى الحلبة ليكون وصيفًا صوريًا، وأنفق الملايين على وعد بأن يحل ثانيًا. لكنه خرج ثالثًا، ثم خرج من المعركة ممزقًا. أما طريقي، فكان قد رُسم بين المحاكم والتشويه والسجن. 🔸 وُلدت قضية تزوير توكيلات حزب الغد ميتة، لكنها صُممت لتشغلني عن الحملة، وتحاصرني بين جلسات محاكمة في الصباح ومؤتمرات انتخابية في المساء. كانوا يظنون أن القفص سيكسر صورتي، فإذا بالناس يرون داخله مرشحًا يحاكم لأنه تجرأ على منافسة الرئيس. وكانوا يخرجونني من المحكمة فيحملني الناس على أكتافهم، فأنتقل من قفص الاتهام إلى منصات الأمل. 🔸 في إحدى الجلسات، وداخل غرفة المداولة، قال لي القاضي عادل عبد السلام جمعة ما معناه: ارفع عنا الحرج. مكالمة واحدة، وتعهد بسيط، ونغلق الملف. كان العرض واضحًا. حريتك مقابل صمتك. 🔸 وجاءني المعنى نفسه من محمود وجدي، رئيس مصلحة السجون، حين زارني في زنزانتي. وجاء في رسائل حملت أسماء كمال الشاذلي وصفوت الشريف وفتحي سرور. كانوا يريدونني زعيمًا للمعارضة في الصورة، بشرط ألا أكون حاضرًا في المعادلة الحقيقية. اخترت أن أبقى حرًا في داخلي، ولو كنت أسيرًا خلف الباب. فقد كان أهون عندي أن أخسر مقعدًا من أن أخسر المعنى. 🔸 وفي قلب هذه المحاكمة ظهر اسم أيمن إسماعيل الرفاعي. رجل بسيط لا يقرأ ولا يكتب، أرادوا منه أن يقول إنه زوّر توكيلات حزب الغد بخطه، وبأوامر مني. وتحت التهديد، قال ما أرادوه. لكن النيابة استكتبته، فانكشف أنه أمي لا يجيد الكتابة أصلًا. 🔸 وقف أيمن إسماعيل أمام المحكمة وقال إنه لم يعرفني يومًا، وإن الضابط عادل ياسين عذبه حتى يوقع على محضر مزيف. ارتبك المشهد، وأُوقفت الجلسة، وأُرسل الرجل إلى سجن الاستئناف على وعد بأن يُستمع إليه لاحقًا. لكنهم لم يستمعوا إليه. في اليوم التالي جاء الخبر بأنه وُجد مشنوقًا في زنزانته. 🔸 ووفق ما ورد في الأوراق والشهادات التي عاصرتها، كتب اللواء الطبيب طارق منير أن الوفاة لم تكن شنقًا، بل خنقًا، مستدلًا بالزرقة في الظهر والكسر في غضروف الحنجرة. ثم خرج تقرير آخر، كتبه العقيد الطبيب أيمن خليل، بالصورة التي أرادتها السلطة، بعد اتصال نُسب إلى اللواء عمر الفرماوي. هكذا أُسكت الشاهد الوحيد، وحاولوا أن يدفنوا الحقيقة معه. 🔸 لم يكن اعتقالي عقوبة على جريمة، بل محاولة لاعتقال احتمال البديل. تحولت من وصيف لأول انتخابات رئاسية تعددية إلى سجين في طرة، محكوم عليه بخمس سنوات. وفي الزنزانة لم يمت الأمل، بل صار أكثر عنادًا. كنت أكتب بذاكرتي على الجدران، وأقول لنفسي: حبسوا جسدك، لكن الحلم لا يملك السجان مفتاحه. 🔸 بعد واحد وعشرين عامًا، ما زلت أقول إنني لم أهزم مبارك، لكنه لم يهزمني. لم يهزمني لأنني خرجت من السجن حيًا، وبقيت الفكرة حية. ولم أهزمه لأن ظله ظل ممتدًا في بنية السلطة، حتى بعد رحيله. سقط الرجل، لكن النظام الذي صنعه بقي أطول من عمر صاحبه. 🔸 ثم جاءت الثورة. في يناير عام ألفين وأحد عشر، عدت إلى ميدان التحرير الذي قلت في حملتي إننا سنعود إليه يومًا لنحتفل بالحرية. وبعد خمس سنوات وبضعة أشهر، رأيت الوعد القديم يتحقق، ورأيت الرئيس الذي بدا عصيًا على السقوط يغادر تحت ضغط شعب استعاد صوته. 🔸 لم تكن الثورة ابنة يوم واحد. كانت امتدادًا لمسار بدأ قبل ذلك بسنوات، مع حركة كفاية، وتأسيس حزب الغد، وقرار خوض الانتخابات الرئاسية. كانت جنينًا حملناه طويلًا، وشارك في حمله آلاف المصريين، ثم وُلد في الميدان بعد ست سنوات. 🔸 كانت ثورة حقيقية، لكنها لم تكتمل. أسقطت رأس النظام، ولم تسقط بنيته. كسرت حاجز الخوف، لكنها لم تبنِ بعدُ دولة الحرية. فتحت أبواب الأمل، ثم تسللت منها قوى الماضي، ومعها أخطاء الحاضر، حتى عاد الوطن إلى دائرة أكثر قسوة. ومع ذلك، لا أقبل القول إن الثورة كانت وهمًا. فالأحلام قد تُهزم، لكنها لا تصبح أكاذيب لمجرد أن الطريق إليها تعثر. 🔸 وفي المنفى تعلمت أن الغربة ليست بلدًا بعيدًا فقط، بل مسافة داخلية بين الإنسان ووطنه. قد يُنفى الجسد، لكن الصوت يستطيع أن يعبر البحار. وقد يُحرم الإنسان من شارع عرف خطواته، ومن بيت يحمل رائحته، ومن وداع أحبة رحلوا، لكنه يظل قريبًا من قضيته إلى حد الوجع. المنفى وطن ناقص، والحنين فيه إقامة لا تنتهي صلاحيتها. 🔸 لم أختر هذه الثلاثية. السجن، ثم الثورة، ثم المنفى. لكنها أعادت اختياري وصياغتي. فالإنسان الذي يخرج من السجن، ويمر بالثورة، ويصمد في المنفى، لا يعود الشخص نفسه. يفقد أشياء كثيرة، لكنه يرى الإنسان والوطن والسلطة بعين لا تخدعها الزينة بسهولة. 🔸 واحد وعشرون عامًا لم تهزم الحلم. وخمسة عشر عامًا منذ الثورة لم تمحُ المعنى الذي خرج الناس من أجله. قد تتعثر الشعوب، وقد يُسرق منها الطريق، وقد تُهزم في جولة أو جولات، لكنها لا تموت، ولا تنسى إلى الأبد. 🔸 كتبت هذه السباعية لأقول إن معركتنا لم تكن مجرد انتخابات، بل كانت ثورة سبقت الثورة. وإن السجن لم يكن نهاية سياسية، بل شهادة ميلاد لفكرة. وإن المنفى لم يكن مجرد ابتعاد عن الأرض، بل جسرًا حمل الصوت إلى ما وراء الحدود. 🔸 هذه ليست حكاية فرد وحده، بل شهادة وطن. شهادة بأن الحرية قد تُسجن، لكنها لا تُقتل. وأن الثورة قد تُسرق، لكنها لا تُمحى من ذاكرة من صنعوها. وأن المنفى قد يطول، لكنه لا يمحو الطريق إلى البيت. 🔸 يعود سبتمبر كل عام ليطرق بابي ويسألني: هل انتهت الحكاية؟ فأجيبه: الحكايات التي تبدأ بالحرية لا تنتهي إلا بها. 🔸 هذا هو المقال الأخير من «أنا وسبتمبر». لكنه ليس الورقة الأخيرة في كتاب العمر. فما دام في مصر سجين رأي، أو صوت خائف، أو مواطن ينتظر حقه في الاختيار، ستبقى الحكاية مفتوحة، وسيبقى سبتمبر شاهدًا، وستظل الحرية هي الفصل الذي لم نكتبه كاملًا بعد.
*أنا و سبتمبر(٧/٤)* 21عامًا على أول انتخابات رئاسية *قطار الأمل…واغتيال أبي…واحباء في الذاكرة* بقلم د. أيمن نور 🔸 في سبتمبر عام ٢٠٠٥، لم تكن الحملة الانتخابية مجرد جولات بين مدن وقرى. كانت سفرًا طويلًا على قطار من الحلم؛ قطارًا يتحرك من محطة إلى أخرى، لا يحمل مرشحًا وحده، بل يحمل كل من ركب معه أملًا في أن تكون لمصر بداية أخرى. 🔸 لم يكن معي مال الدولة ولا إعلامها، ولم تكن خلفي جيوش الموظفين وأجهزة السلطة. كان أمامي، ومن حولي، الناس البسطاء: شباب يركضون إلى جوار السيارة، ونساء يلوّحن من الشرفات، وعمال يوقفون آلاتهم دقائق كي يهتفوا، وطلاب يكتبون اسمي على الجدران كأنهم يكتبون وعدًا جديدًا لمصر. 🔸 كان عمري يومها أربعين عامًا وبضعة أشهر. خلعت ربطة العنق، وتركت البدلة الرسمية، واخترت هيئة أقرب إلى الشباب الذين أردت أن أخاطبهم لا من فوق منصة، بل من داخل جيلهم. كانت الرسالة بسيطة: أنا واحد منكم. أما الرئيس الراحل مبارك، الذي كان يقترب من الثمانين، فقد حاول تقليد الصورة نفسها، فبدا المشهد مرتبكًا؛ لأن رجلًا من الماضي لا تصنع منه الألوان وجهًا للمستقبل. 🔸 خلال ثمانية عشر يومًا، هي مدة الدعاية الرسمية، زرت قرابة عشرين محافظة، ومررت بمئات القرى والمراكز. لم تعرف عيناي النوم إلا قليلًا. كنت أتنقل بين الناس ليلًا ونهارًا، بينما لم تملك لحملات مبارك وسائر المرشحين تلك اللياقة البدنية والسياسية التي امتازت بها حملتنا، بفضل الله أولا، ثم بجهد رفاق آمنوا بأن الطريق إلى الناس لا يُقطع من خلف المكاتب. 🔸 أذكر منهم الراحل ناجي الغطريفي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الذي تولى رئاسة الحزب فور اعتقالي، بتفويض مني، و المبدع المهندس وائل نوّارة، سكرتير عام الحزب، و نائب رئيس الحزب هشام قاسم، الصحفي والناشر، و توأمي ورفيق العمر إيهاب الخولي، والفاضلة جميلة إسماعيل، والدكتورة منى مكرم عبيد، و المناضل أيمن بركات، واحمد غنيم، واسراء عبد الفتاح ،والمحترم المهندس ياسر عبد الحميد و محمد ايهاب و المهندس حسام علي و الصحفي عصام الشريف و شادي العدل واحمد ماهر وتامر ابو الليل ،و عمرو عز ، و باسل عادل ،،،،واخرين. و تبقى الصدارة دائما للوالدين الغالين امد الله في عمرهما ومتعهما بالصحة النائب عبد المنعم التونسي نائب ديروط، والنائب عبد الفتاح الشافعي نائب زفتي... وآخرين ... 🔸 في الإسكندرية، كان لي سند في صديق العمر مؤمن رشاد والمهندس سيد بسيوني، ونجلاء فوزي، وشاهيناز ،ومحمد ممادو والف من الشباب الرائع. 🔸في البحيرة، أذكر أحمد ميلاد، وبلال حبيب، وسيد عصمت، والتيتي. ومئات من أخلص وأنقى الشباب الذي صادفته في حياتي 🔸وفي المنيا الحبيب تامر ابو الليل وأسوان والنوبة، كان النائب محمد العمدة، والأستاذ الراحل القلب الابيض أحمد كاجوج، والصديق هاني يوسف، والعزيز عبد الصبور عبد الصبور، ومئات الوجوه المضيئة في كوم أمبو وبلّانة ونصر النوبة. 🔸 ومن إذاعة الغد، أذكر الإعلامية الكبيرة الراحلة ملك إسماعيل، والاعلامية الكبيرة جيداء بلبع ،والاستاذ هيثم امام، ومحمد قطب، ومحمد عبد الحي، و المهندس أحمد بدوي. 🔸ومن جريدة الغد، *لا انسى ما حييت دور الصديق العزيز ابراهيم عيسى الذي تولى تأسيس الصحيفة وتم عزله من رئاسة تحريرها فور اعتقالي بطلب من الجهات الامنية وتولى خلفا له الاشراف على التحرير في مده ثلاثة اشهر هي مده اعتقالي قبل الاخير الاستاذ محمد الباز ثم تولى رئاسة التحرير ابان معركه الانتخابات الرئاسية للعدد اليومي من جريدة الغد الصديق الحبيب والمفكر محمد القدوسي ولا انسي مساندة الكاتب الصحفي سليم عزوز بمقالاته على صفحات الغد. وكان في كتيبه الغد لفيف من الشباب المصري الوطني مثل الاستاذ احمد فكري، والاستاذ ايهاب البدوي والاستاذ عصام الشريف وهيثم الغيتاوي، وعلي الفيل، وحسام الدين شحاتة وكريم الشاعر. لكل اسم من هذه الأسماء سهم في ذاكرة الحملة، ولكل وجه حكاية لا تتسع لها السطور .* 🔸 ولا أنسى مؤتمر باب الشعرية، الذي شرّفه بالحضور النائب الشجاع الراحل طلعت السادات. وعلى ذكر باب الشعرية، أذكر اسماء لها في القلب والذاكرة مكانا لا يمحى في مقدمتهم الصديق العزيز الدكتور عادل الركيب والاخ الحبيب يحيى الطلياوي والنائب الراحل عبده جابر وكيف لا أذكر فريال، وانشراح، واحمد السحرتي، ومحمود ونبيل النحاس، والحاج فؤاد، ونجله محمد فؤاد، ومحمد شعبان، ونصر مطر، وسناء حسن، وأبني محمد برتقاله والحاجة ناهد، وغيرهم كثيرين. وأذكر أيضًا المهندس المحترم مازن مصطفى وأسرته، ووليد رياض، والعزيز محمود موسى. 🔸 في أسيوط ومنفلوط، كان النائب عبد المنعم التونسي وكل أنصاره ومحبيه. وفي بورسعيد، ارتفعت أصوات الشباب، وبينهم حسام علي ومحمد إيهاب. وفي السويس، لم يغب أبطالها: النائب طلعت خليل، والدكتورة عزة داود، والشيخ حافظ سلامة، الذي رافقني إلى الأزهر الشريف، إلى جوار مفتي الديار المصرية الأسبق الدكتور نصر فريد واصل. 🔸 كانت المؤتمرات مفعمة بالروح، لكن الشوارع نفسها صارت منصة أوسع. الأسواق والحقول ومحطات القطار تحولت إلى مسارح للحرية. كنت أشعر أن صوت الناس أقوى من مكبرات الصوت، وأن المسافة بين الحلم والوطن يمكن أن تُختصر بخطوة صادقة في شارع مفتوح. 🔸 كان النظام يراقب، ووجه مبارك لم يعد يخفي قلقه. أدرك أن المنافسة خرجت من شاشات التلفزيون إلى الشوارع، وأن اللعبة لم تعد أرقامًا مكتوبة سلفًا على ورق. وحين تخرج السياسة من الاستوديو إلى الناس، يصبح التزوير قادرًا على سرقة صندوق، لكنه يعجز عن محو صورة سكنت الذاكرة. 🔸 حاول الأمن أن يوقف قطار الأمل. لاحقنا، وأغلق القاعات، وقطع الكهرباء عن مكبرات الصوت. لكن الناس كانوا الميكروفون الحقيقي. كل كلمة مني كانت تولد عشرات الهتافات منهم، وكل باب أُغلق كان يفتح أمامنا شارعًا جديدًا. 🔸 في المحلة، كنت على المنصة وإلى جواري عبد الفتاح الشافعي وأحمد غنيم، وأمامنا آلاف العمال. حاولوا إسقاط المنصة فوقنا، لكن المنصة لم تسقط. ارتفعت معها الأصوات، وسقطت هيبة نظام ظن أن الخشب إذا انكسر انكسر ما فوقه. كان مشهدًا مدويًا نقلته شاشات العالم، وعلّق عليه محمد حسنين هيكل. يومها بدا النظام ساقطًا أخلاقيًا وسياسيًا، قبل أن يسقط فوق المنصات بسنوات. 🔸 في نبروه، كان المشهد أعظم من الكلمات. وفي الإسكندرية، مسقط رأسي، وفي دمنهور، وكوم أمبو، ومنفلوط، والمنيا، وبورسعيد، والسويس، وباب الشعرية، والموسكي، دائرتي التي تشرفت بتمثيلها، كان كل مؤتمر شهادة جديدة على أن مصر ليست ساكنة، وأن تحت سطح الصمت وطنًا يتحرك. 🔸 وفي ميدان التحرير، الذي نجح الصديق هشام قاسم في انتزاع موافقة لإقامة مؤتمرنا فيه، رأيت مصر كلها في ميدان واحد. لم يكن الميدان يملأه الحديد ولا الجنود، بل الأمل. هناك قلت: سنعود يومًا إلى هذا الميدان لنحتفل بالحرية. وبعد خمسة أعوام وأشهر عدت إليه فعلًا، في ثورة يناير، فوق المنصة ذاتها، ونحن نحتفل بسقوط الرئيس نفسه. كانت الجملة يومًا وعدًا يبدو بعيدًا، ثم صارت حقيقة أقرب من كل حسابات السلطة. 🔸 وصفتنا الدعاية الرسمية بالمغامرين. لكن المغامرة الحقيقية كانت أن نصمت، وأن نترك مصر لعقود أخرى من الركود والتوريث. لم تكن جرأتنا أننا خضنا انتخابات مختلة الموازين، بل أننا عاملنا حق المصريين في الاختيار كحقيقة، بينما كانت السلطة تتعامل معه كديكور. 🔸 ولضيق الوقت، استأجرنا قطارًا سمّيته «قطار الأمل والتغيير». في كل محطة كان يتوقف عندها، كنا نعقد مؤتمرًا خاطفًا يحضره الآلاف. وكان القطار يترك خلفه أثرًا لا يُمحى: يدًا تمتد للمصافحة، ودمعة تسيل على وجه رجل، وطفلًا يرفع لافتة أكبر من قامته، وأمًّا تدعو لنا كأنها ترسل أبناءها إلى معركة لا إلى انتخابات. 🔸 لم تكن الحملة أرقامًا في دفاتر، بل دمًا يجري في عروق وطن. ولم يكن المؤيدون مجرد ناخبين، بل شهودًا على لحظة تحوّل. في عيون النساء رأيت القوة، وفي هتافات الشباب رأيت الجرأة، وفي وجوه الفقراء رأيت الحلم بأن العدالة ليست كلمة في الكتب، بل حقًا ينبغي أن يُنتزع على الأرض. 🔸 فزعت السلطة من كل صورة التقطتها عدسة صحفي، ومن كل مقال في صحيفة عربية أو أجنبية، ومن كل هتاف خرج عن النصوص المقررة. وحين عجزت عن منع الصورة، حاولت تلويثها. 🔸 في المحافظات ذات الكثافة القبطية، قالوا إنني متطرف إسلامي. وفي المحافظات ذات المزاج السلفي، قالوا إنني من أصول مسيحية. وفي عموم البلاد، زعموا أنني مبعوث من الولايات المتحدة وأنني أحمل جنسيتها، مع أنني لم أكن قد زرتها يومًا. لم تكن الأكاذيب متماسكة؛ كان يكفي أن تكون كثيرة، وأن تملك السلطة الشاشات التي تكررها. 🔸 لكن الكذبة التي قتلت حقًا كانت ما بثه وزير إعلام الأسرة الحاكمة آنذاك، أنس الفقي، على شاشة القناة الأولى: خبر كاذب عن القبض عليّ في قضية رشوة. وحين قرأ والدي الخبر على شريط التلفزيون، سقط قلبه قبل جسده، ودخل المستشفى. لم تمض أيام حتى رحل. اغتالوه بالكذب لا بالرصاص، وكان سلاح الجريمة شريط أخبار باردًا يمر أسفل الشاشة كأن شيئًا لم يحدث. 🔸 اتصلت بأنس الفقي يوم إذاعة الخبر. لم ينكر كذبه، بل قال، بوقاحة لا أنساها، إنه يعلم أن الخبر غير صحيح، وإنه سيحذفه لاحقًا من شريط الأخبار. لكنه لم يفعل. عرفت يومها، لا مجازًا بل وجعًا، أن الإعلام حين يفقد ضميره يصبح قاتلًا، وأن الكلمة قد تقتل كما تقتل الرصاصة، وربما تمضي بعد جريمتها بلا محضر ولا شاهد. 🔸 وهو نفسه الذي حصل على قيمة إعلان حملتي، بصوت أسامة منير، وغناء محمد منير، وألحان هاني شنودة، ثم رفض إذاعة الإعلان أو رد قيمته. لم تكن المسألة إعلانًا محجوبًا فحسب، بل صورة مصغّرة لنظام يستولي على حقك، ثم يمنعك حتى من الاعتراض على سرقته. 🔸 ومع ذلك، ظل قلبي ممتلئًا بإيمان الناس. تعلمت أن المنصات ليست خشبًا يُقام، بل قلوبًا تُفتح؛ وأن الانتخابات ليست سباق أسماء، بل مواجهة بين الخوف والأمل. كانت ثمانية عشر يومًا فقط، لكنها اتسعت في الذاكرة حتى صارت بعمر سنوات، وكتبت فصلًا جديدًا في كتاب مصر. 🔸 لم تكن المؤتمرات خطبًا ألقيها، بل رسائل يكتبها الناس في عيونهم. لم أكن أخاطبهم بقدر ما كانوا يخاطبونني: اثبت… نحن معك. لذلك لم تكن تلك الحملة مجرد خطوة انتخابية، بل صحوة وطنية، وإعلانًا مبكرًا أن مصر ليست رهينة الأرقام الرسمية، وأن لها روحًا لا تُزوّر. 🔸 واليوم، بعد واحد وعشرين عامًا، ما زلت أسمع هتاف المحلة، وأرى ميدان التحرير، وأشعر بارتباك السلطة كأن اللحظة لم تمض. بعض الأيام تنتهي في التقويم، لكنها تظل مفتوحة في العمر. وسبتمبر، في حياتي، واحد من تلك الأزمنة التي لا تمر، بل تعود كل عام لتسألني: ماذا بقي من الحلم، وماذا بقي فينا له؟ 🔸 هذه الورقة الرابعة ليست عن مؤتمرات انتخابية فحسب. إنها عن الأمل حين يتجسد قطارًا يمضي من محطة إلى أخرى، وعن وطن اكتشف صوته قبل أن يُسمح له بالاختيار، وعن أب حنون اغتاله الإعلام بلا دم ولا ضمير. 🔸 وفي الورقة الخامسة، سأترك صخب المؤتمرات وأدخل إلى صمت الزنازين؛ حيث تحولت أصوات الناس في الخارج إلى جدران وسلاسل في الداخل. هناك تبدأ الحكاية من جديد: زنازين ما بعد الصندوق، حين دفعت السلطة بالمرشح المنافس إلى السجن، وظنت أنها باعتقال الجسد تستطيع أن تعتقل الحقيقة.
📸🌟 حكاية صورة 🌟📸 [{من «كل شيء» إلى «وجوه لا تغيب»}] 🔸 توقفت أمام هذا الغلاف القديم طويلًا، ليس فقط بسبب الوجوه التي يحملها، بل لما يحمله هو نفسه من معنى. إنه غلاف مجلة مصرية اسمها «كل شيء»، صدر يوم ١٤ نوفمبر ١٩٢٧. مجلة قد لا يعرف معظمنا عنها شيء، لكن غلافًا واحدًا منها يكفي ليخبرنا عن صحافة مصرية جادة، كانت ترى أن رسالتها ليست مطاردة الحدث وحده، بل صناعة الوعي، وتقدير الرموز، ورفع راية #النهضة. جمعت المجلة محمد علي، وإبراهيم باشا، والخديوي إسماعيل، والأفغاني، ومحمد عبده، وقاسم أمين، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وسعد زغلول. اختلفت الأزمنة والأفكار، لكن الغلاف جمعهم تحت عنوان أكبر من اختلافاتهم: مصر وهي تحاول أن تنهض. 🔸 وبعد قرابة قرن، وجدت في هذه الصورة شيئًا قريبًا من رساله ذلك البرنامج الرائع #بورتريه الذي يقدمه منذ ١٠ سنوات، على شاشة الشرق، الصديق الدكتور #ماجد_عبد_الله. وكذلك هو ذات فكرة #متحف_الشرق للشخصيات المصرية الذي يضم للان تماثيل ومجسمات لأكثر من ٢٠٠ شخصية ، ساهمت في إثراء الحياة المصرية، وكذلك برنامج #أثر الذي تقدمه على شاشة #الشرق الزميلة #هدير_علي ، وهو أيضا ما حاولت أن أفعله في سلسلة كتبي«#وجوه_لا_تغيب»، بجزأيها الأول والثاني؛ وهو أن نستدعي من #الذاكرة وجوهًا صنعت الفكر والسياسة والفن والحرية، وأن نرد إليها بعض حقها في زمن سريع النسيان. وكأن بين غلاف «#كل_شيء» عام ١٩٢٧ وغلاف «وجوه لا تغيب» بعد نحو قرن، خيطًا واحدًا لم ينقطع: الأمم لا تصنع نهضتها فقط بمن يعيشون حاضرها، بل بقدرتها على ألا تنسى الذين صنعوا الطريق إليه.
**أنا وسبتمبر** (٧/١) ✴️45... عامًا… اعتقال✴️ بقلم د. أيمن نور 🔸 أكتب هذه السطور في السابعة من صباح الأول من سبتمبر عام 2026. هي الساعة نفسها التي جاءتني فيها، قبل خمسة وأربعين عامًا، أول رسالة قاسية من السلطة. لم تأت في مظروف يحمل طابع البريد، بل في سيارة أمن كبيره، وباب حديدي أُغلق خلفي للمرة الأولى. 🔸 كان ذلك في سبتمبر عام 1981.لم اكن تجاوزت 17عاما وكنت رئيسًا لاتحاد الجمهورية للمدارس الثانوية ودور المعلمين والمعلمات. شابًا في مقتبل العمر، لم يعرف من السياسة سوى حماسة الكلمة، وبراءة الحلم، والإيمان بأن الوطن يتسع لأصوات أبنائه. لم تكن جريمتي سوى أنني آمنت بأن للشباب حقًا في أن يتكلموا، وللطلاب دورًا في وطنهم، وللحقيقة مكانًا بين الناس. 🔸 جاءت سيارات الأمن مع أول الضوء. لم تكن شمس النهار قد اكتملت، لكن ظلال الخوف كانت أطول من أشجار المنصورة، بدا لي أن المدينة تستيقظ على صرير الأبواب الحديدية، قبل أن تستيقظ على أذان الفجر. يومها أدركت أن دولة كاملة قد تخشى كلمة تخرج من فم فتى، أكثر مما تخشى رصاصة تخرج من بندقية. 🔸 لم يكن السجن مجرد جدار وقفل. كان إعلانًا مبكرًا بأن سبتمبر سيصير قدري، وكتابي، وامتحاني المتجدد. دخلت الزنزانة طفلًا يحمل أحلامًا بسيطة، وخرجت منها رجلًا يحمل جرحًا، ووعدًا، ووصية وقضية. لم أخرج كما دخلت. فقد تركت خلف الباب الحديدي جزءًا من الصدمة، وحملت معي يقينًا بأن الحرية لا يعرف قيمتها كاملة إلا من سمع صوت المفتاح وهو يدور في باب زنزانته. 🔸 عند الأسوار، كنت أسمع صوت أمي في الدعاء. كان يصلني أصفى من كل الأصوات، وأقوى من صرير الأقفال: اثبت… فالوطن يستحق. وأنت تستحق الا تبكي أو تنهار، صوتها مازال يسكنني، ويمنحني من القوة ما لم تمنحني إياه الخطب ولا الكتب. كانت أمي، أكثر حرية وقوة من سجاني، وكان دعاؤها نافذتي إلى السماء. 🔸 رأيت في الزنازين وجوهًا من كل الأطياف. ليبراليين وإسلاميين ويساريين، مثقفين وصحفيين، وشبابًا لم تجمعهم فكرة واحدة، لكن جمعهم ظلم واحد. وهناك أدركت مبكرًا أن الحرية لا تعرف حزبًا ولا مذهبًا، وأن الاستبداد حين يغلق بابه على المختلفين، يمنحهم، من حيث لا يريد، درسًا في وحدة المصير. فالزنزانة لا تسأل صاحبها عن اتجاهه السياسي، والقيد لا يفرّق بين يمين ويسار، والظلم حين يعم يصبح مقاومته وطنًا مشتركًا. 🔸 كتبت يومها على جدار الزنزانة: لا تجعلوا السجن مقبرة… بل اجعلوه مدرسة. كان الحائط صامتًا، لكن قلبي ظل يردد العبارة كأنها صلاة. هناك تعلمت أن الصمت موت وخيانة، وأن الكلمة، حتى إن وُلدت يتيمة، تستطيع أن تضيء ليلًا طويلًا. وتعلمت أن السجن لا يُقاس بعدد القضبان، بل بعدد الدروس التي تبقى في الروح بعد أن تُفتح الأبواب. 🔸 عرفت يومها أن الحرية ليست ترفًا سياسيًا، ولا مادة في دستور، ولا شعارًا فوق منصة. الحرية هي شهيق الروح. إن انقطع، مات الإنسان واقفًا، ولو ظل جسده يتحرك بين الناس. وعرفت أيضًا أن أخطر السجون ليست تلك التي نراها، بل السجون التي نبنيها داخلنا، حين نعتاد الخوف، أو نبرر الصمت، أو نقبل أن نعيش بنصف صوت ونصف موقف ونصف كرامة. 🔸 منذ تلك الساعة، صار كل سبتمبر صدى لذلك الصباح. جاءت بعده (سبتمبر 2005) انتخابات رئاسية أولي وتزوير، ومحاكمات واعتقالات جديدة، ثم ثورة ومنفى بعيد. تبدلت الوجوه، وتغيرت العهود، لكن السؤال بقي واحدًا: هل يملك الإنسان صوته، أم تستعيره منه السلطة، ثم تعيده إليه خافتًا أو مشوهًا؟ كل سجن كنت أخرج منه أقوي عقلا وصوتا وأكثر يقيناً وشجاعة. 🔸و اليوم، بعد خمسة وأربعين عامًا، لا أقول إن السجن المبكر أنهى طفولتي و ألتهم شبابي فقط، بل أقول إنه منح حياتي معناها الأصعب. لم يكسرني سبتمبر، لكنه علمني أن أتعاطى مع كل عاصفة كي لا أنكسر، وأن أبقى واقفًا في داخلي، مهما أثقلت القيود قدمي. 🚥كلما عاد الشهر، أعود في الذاكرة إلى زنزانتي الأولى. أضع كفي على جدارها البارد، وأسمع الوطن يهمس لي من بعيد: لا تتراجع. 🔸 كان السجن جرحًا، لكنه صار أيضًا مرآة كشفت لي أجمل ما في الإنسان. قدرته على الصمود، وعناده في حماية الأمل، وإصراره على أن يترك نافذة صغيرة للغد، حتى حين تُغلق في وجهه كل الأبواب. أرادوا أن يطفئوا الأمل داخلي، فزرعوا بذرة لم تنطفئ. وأرادوا أن يجعلوا من الخوف نهاية الطريق، فإذا به يصير بدايته. 🔸 أكتب اليوم باليد ذاتها التي قُيّدت في ذلك الصباح البعيد، لأقول: ما زلت حيًا… وما زالت الكلمة ممكنة… وما زالت الأغاني ممكنة… وما زال الوطن، رغم كل ما جرى، يستحق أن نحلم له، وأن نتألم من أجله، وألا نتراجع عن حقه في الحرية. 🔸 هذه هي الورقة الأولى من سباعية «أنا وسبتمبر». أما الأوراق التالية، فتحكي عن دستور فُصّل على مقاس الوريث، وترشيح لم تُقدّم أوراقه أمامي، ورمز انتخابي سُرق، وقطار حمل الأمل إلى مدن مصر وقراها، وأب قتله خبر كاذب، وحقيقة اعتُقلت مع صاحبها، وشاهد خرج من المحكمة إلى الموت، ثم ثلاثية السجن والثورة والمنفى. 🔸 هذه بداية حكايتي مع سبتمبر. لكنها ليست حكاية فرد وحده، بل شهادة زمن كامل. زمن حاول فيه الخوف أن يكتب نهايتنا، فكتبنا نحن، من داخل الزنازين وخارجها، بداية أخرى لم تكتمل فصولها بعد.
📷 حكاية صورة 📷 في عام 2010، كانت أبواب الإصلاح قد أُغلقت واحدا بعد آخر، وضاقت مسارات التغيير السلمي حتى كادت تنعدم. عندها تشكلت #الجمعية_الوطنية_للتغيير تحت مظلة الدكتور #محمد_البرادعي، لا بوصفها تجمعا شكليا، ولا لافتة سياسية عابرة، بل مساحة وطنية حقيقية جمعت مكونات المجتمع المدني، والمؤسسات الوسيطة، وأركان الجماعة الوطنية المصرية بمختلف تياراتها السياسية والفكرية والأيديولوجية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. كان تمثيلا حقيقيا لا مغشوشا، وحضورا لا رمزيا، وتوافقا لم تصنعه السلطة، ولم تموله حملات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يقم على الإقصاء أو الاصطفاف القسري. كانت الجمعية، في لحظتها، تعبيرا عن تيار سلمي واسع وناضج، أدرك أن الوطن أكبر من خلافات التيارات، وأن الإصلاح لا يصنعه لون سياسي واحد، بل تصنعه إرادة وطنية تتسع للاختلاف وتحمي حق الجميع في المشاركة. هذه الصورة تعيدني إلى زمن كان فيه الاجتماع على الحد الأدنى من الحلم ممكنا، وكان الخلاف لا يمنع الشراكة، وكانت السياسة، رغم قسوتها، ما تزال تعرف معنى الجبهة الوطنية الحقيقية. وبعد ستة عشر عاما، تبدو قيمة تلك اللحظة أكبر مما بدت يومها. فقد أثبتت أن الطريق إلى التغيير لا يبدأ بإلغاء المختلف، بل بالقدرة على الوقوف معه حين يكون الوطن هو القضية. والصورة، في النهاية، لا تحفظ وجوها فقط. إنها تحفظ لحظة كان فيها الأمل جماعيا، وكان الاختلاف جزءا من القوة لا سببا للفرقة.
✴️ مصر أمام نظام جديد للنيل✴️ بقلم د. أيمن نور 🔸 في الأيام الأخيرة من أغسطس عام ألفين وستة وعشرين، بدا ملف النيل وكأنه يتحرك في اتجاهين متعاكسين. ففي ستوكهولم، شاركت مصر والسودان في الحوار الاستراتيجي لمبادرة حوض النيل، وأيد المشاركون استمرار التخطيط المشترك لما بعد عام ألفين وسبعة وعشرين، مع إبقاء باب التشاور مفتوحا بشأن الاتفاقية الإطارية والتحول إلى مفوضية دائمة لحوض النيل. وفي الوقت نفسه، تصاعد الخطاب الإثيوبي بشأن بناء سدود جديدة على النيل الأزرق، ووصل الأمر بوزير مياه إثيوبي سابق إلى مطالبة مصر بتعويضات عن استخدام مياه النهر. 🔸 صحيح أن هذا الكلام الأخير لا يمثل قرارا رسميا ملزما، لكنه لا يجوز أن يمر باعتباره مجرد تصريح عابر. فهو يكشف عن مناخ سياسي جديد، لم تعد فيه القضية محصورة في سد النهضة، بل امتدت إلى محاولة إعادة تعريف ملكية النهر، وقواعد استخدامه، وموقع كل دولة في النظام الإقليمي الذي يتشكل حول مياهه. 🔸 سد النهضة نفسه لم يعد مشروعا تحت الإنشاء يمكن تعطيله أو تعديل تصميمه، بل أصبح واقعا تشغيليا. افتتح رسميا في سبتمبر عام ألفين وخمسة وعشرين، ووصلت قدرته المعلنة إلى خمسة آلاف ومائة وخمسين ميغاوات، بينما تبلغ سعة خزانه نحو أربعة وسبعين مليار متر مكعب. ومع ذلك، لم يصاحب اكتماله اتفاق قانوني ملزم ينظم التشغيل في سنوات الجفاف، أو يضمن تبادل البيانات، أو يحدد قواعد التصريف، أو يضع آلية واضحة لتسوية النزاع عند وقوع الضرر. 🔸 لهذا، لم تنته الأزمة باكتمال السد، بل بدأت مرحلتها الأخطر. فقد انتقل السؤال من حق إثيوبيا في البناء إلى حدود سلطتها في التشغيل. ومن حجم الخزان إلى قواعد استخدامه. ومن سد واحد إلى احتمال قيام منظومة كاملة من السدود المتتابعة، تستطيع، إذا أديرت منفردة، أن تعيد رسم حركة النيل الأزرق من المنبع إلى المصب. 🔸 تقول أديس أبابا إن السدود الجديدة ستكون مخصصة أساسا لتوليد الكهرباء، وإن المياه ستتحرك من سد إلى آخر من دون استهلاك كبير. وهذه حجة يجب فحصها علميا، لا رفضها بالشعارات. فالسد الكهرومائي لا يبتلع النهر بالضرورة، لكن الخطر يكمن في سنوات الملء، وفواقد التبخر، وتزامن تشغيل عدة خزانات، وما قد يحدث خلال الجفاف الممتد، أو عند الأعطال، أو بسبب التصريفات المفاجئة. المشكلة ليست دائما في جسم السد، بل في اليد التي تديره، والقاعدة التي تلزمها، والمعلومة التي تحتفظ بها لنفسها. 🔸 وقد ردت القاهرة خلال أغسطس بأكثر من تحذير، مؤكدة أنها لن تسمح بفرض السيطرة على تدفقات النيل باعتبارها أمرا واقعا. وأتفهم تماما ضرورة أن يكون للدولة صوت حازم في قضية تمس وجودها. لكنني تعلمت، خلال أكثر من أربعة عقود في العمل العام، وخمسة عشر عاما في البرلمان، أن قوة الموقف الوطني لا تقاس بارتفاع نبرة التصريح، بل بما يستند إليه من أوراق قانونية، وتحالفات إقليمية، ومعلومات فنية، وخيارات قابلة للتنفيذ. فالعبارات الغاضبة قد تطمئن الناس ساعات، لكنها لا تعيد قطرة ماء، ولا تكتب قاعدة تشغيل ملزمة. 🔸 أما التحول المؤسسي في حوض النيل، فهو الجبهة الأقل ضجيجا، وربما الأكثر تأثيرا. فقد دخلت الاتفاقية الإطارية التعاونية حيز النفاذ في أكتوبر عام ألفين وأربعة وعشرين، وأصبحت تمهد لإنشاء مفوضية دائمة لحوض النيل. ومصر والسودان ليستا ملزمتين قانونا باتفاقية لم توقعا عليها، لكن بقاءهما خارج المؤسسة الجديدة، إذا اكتمل بناؤها، قد يتركهما في موقع من يملك الاعتراض ولا يشارك في صناعة القواعد. 🔸 لهذا، فإن مشاركة مصر في حوار ستوكهولم ليست تنازلا، بل نافذة ينبغي توسيعها. فقد تقرر استمرار التشاور مع مصر والسودان وكينيا والكونغو، وجرى الحديث عن تبادل البيانات، وسلامة السدود، وتحديث دراسات الحوض، وإنشاء نموذج رقمي لمحاكاة حركة المياه. وهذه ليست تفاصيل فنية هامشية، بل أدوات نفوذ حقيقية، شريطة أن تحضر مصر بعلمائها وخبرائها، وبمبادراتها ومصالحها المشتركة، لا بوفود موسمية وخطب محفوظة. 🔸 وفوق الخلاف السياسي تقف الطبيعة، وهي لا تفاوض أحدا. فالتوقع الهيدرولوجي الرسمي لحوض النيل لموسم يونيو إلى سبتمبر عام ألفين وستة وعشرين يرجح أمطارا أقل من المعتاد أو قريبة منه في مناطق واسعة، مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة فواقد التبخر، وتراجع محتمل في تدفقات النيلين الأزرق والأبيض ونهر عطبرة. ويضع التقرير مصر والسودان في مقدمة الدول التي قد تتحمل الأثر التراكمي للعجز المائي في المنابع. وما يمكن احتماله في عام ممطر، قد يتحول إلى خطر مباشر إذا تتابعت سنوات الجفاف في غياب اتفاق ملزم. 🔸 وفي الداخل، لا يصح أن تختبئ الحكومة خلف سد النهضة لتبرير كل عجز، كما لا يصح أن تتعامل المعارضة مع كل مشروع مائي باعتباره دعاية فارغة. فقد توسعت مصر في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، وتقول وزارة الري إن ثلاث مشروعات كبرى أضافت طاقة تقترب من أربع مليارات وثمانمائة مليون متر مكعب سنويا. لكن التقارير الدولية تؤكد في الوقت نفسه استمرار تراجع نصيب الفرد من المياه، واقتراب مصر من الندرة المطلقة، بينما تستهلك الزراعة نحو ثمانين في المائة من المياه العذبة. المطلوب إذن ليس إنكار ما تحقق، بل قياس كلفته وعائده وعدالته وقدرته على الاستمرار. 🔸 ومن دون تعال أو ادعاء امتلاك وصفة سحرية، أظن أن مصر تحتاج إلى مائدة وطنية دائمة للأمن المائي، تضم مؤسسات الدولة والخبراء والجامعات والقوى السياسية والمجتمع المدني. وتحتاج إلى ميزان مائي سنوي معلن، يفصل بين الحقائق والدعاية. كما تحتاج إلى تحويل وجودها داخل مؤسسات الحوض إلى استراتيجية، هدفها اتفاق لتبادل البيانات، وقواعد واضحة للتشغيل في سنوات الجفاف، ونظام للتعامل مع التصريفات الطارئة، وتقييم تراكمي لأي سلسلة سدود جديدة، بدلا من دراسة كل سد بمعزل عن الآخر. 🔸 وفي الداخل أيضا، ينبغي ربط التوسع الزراعي بميزانية المياه الحقيقية، وتوجيه التحلية أساسا إلى المدن الساحلية، وإصلاح الشبكات، وتشجيع المحاصيل الأقل استهلاكا، وتسعير الهدر لا الفقر، وضمان ألا تتحول مشاركة القطاع الخاص إلى خصخصة لحق الإنسان في الماء. كما يجب استعادة العلاقة الوثيقة مع السودان، لا باعتباره مجرد حليف تفاوضي، بل شريكا أصيلا في إدارة مجرى واحد ومصير متصل. 🔸 هذه ليست قضية نظام ندافع عنه، ولا معارضة نكايد بها النظام. إنها قضية وطن سيبقى بعد الجميع. وقد نختلف على الحكم والدستور والاقتصاد والسياسة، لكن النيل لا يعرف موالاة ومعارضة، ولا يميز بين بيت مؤيد وبيت معارض. الأمن المائي المصري قضية وجودية، والوطنية فيها ليست صمتا على الأخطاء، ولا مزايدة فوقها، بل شجاعة في قول الحقيقة، وحكمة في إدارة القوة، وإرادة تحول ما بقي من أبواب مفتوحة إلى اتفاق يحمي حق مصر في الحياة.
📷**حكاية صورة** 📷 حكاية هذه الصورة غالبا تعود إلى ستة عشر عاما مضت. لا أذكر المكان بالتحديد، ولا المناسبة، لكنني لا أنسى أبدا من كان معي فيها. في هذه الصورة يجلس عن يميني شيخ السياسيين المصريين، النبيل العذب الرقيق، المهندس #سمير_عليش، وعن يساري اليساري، الأستاذ #صلاح_عدلي، رئيس الحزب #الشيوعي_المصري. رجلان جمعا بين الأجيال والتيارات، وبنيا طوبة طوبة، طوال عقود، بصبر وصدق، جسورا بين #الليبراليين و #اليساريين و #الناصريين و #المستقلين. رجل "#السكر" المهندس والخبير في الصناعة والاقتصاد سمير عليش كان له من اهتماماته بصناعة السكر نصيبا كبيرا في شخصيته العذبة الحلوة، عقل هادئ، وقلب مدني نقي، وضمير مكرر كما السكر النقي ، ظل منحازا إلى الدولة الديمقراطية المدنية والمواطنة والإصلاح. اما صلاح عدلي فهو ليس عندي مجرد اسم في سجل السياسة، بل موقف لا يمحوه الزمن. ففي يوم #معركة_الجمل، حين حاصرتنا مجموعات من بلطجية النظام السابق، وصرنا على مسافة خطوة من موت محقق، رفض أن يتركني وحدي. وكنت أنا المستهدف، وكان بإمكانه أن يدير ظهره وينصرف لكنه ظل في ظهري، ثابت القلب، حتى عبرنا معا تلك اللحظة التي كان يمكن أن تكون الأخيرة. هكذا عرفته نبيلا وشجاعا وهادئا وعاقلا ومتزنا. لا يرفع صوته فوق ضميره، ولا يترك رفيقا في منتصف الخطر. وبين يميني ويساري في هذه الصورة، يقف تاريخ من النبل الإنساني، والاختلاف الذي لم يفسد للوطن قضية
📷حكاية صورة📷 ✴️عمارة مصر التي لا يراها المصريون✴️ آلاف المصريين يمرون كل يوم من شارع الاستقلال المؤدي إلى ميدان تقسيم في قلب إسطنبول. يمشون بين واجهاته ومحاله ومقاهيه القديمة، وربما لا يستوقفهم مبنى عريق يحمل اسمًا يبدو، يوقظ الحنين: «عمارة مصر». اليوم توقفت أمامها، ثم دخلتها، برفقة زوجتي. لم تكن زيارة إلى مبنى بقدر ما كانت عبورًا صغيرًا إلى زمن آخر زمن كانت فيه القاهرة وإسطنبول أقرب مما توحي به الخرائط، وكانت الثقافة جسرًا بين المدينتين قبل أن تصبح السياسة أحيانًا جدارًا بينهما. في الصورة الأولى نقف تحت صورة الأمير عباس حليم باشا، المصري المولود في القاهرة عام 1866، حفيد محمد علي باشا، والذي كلف المعماري الأرمني هوفسيب أزنفوريان، عام 1910، ببنائها لتكون مقرًا له. لكن عباس حليم لم يكن مجرد أمير يملك قصرًا في إسطنبول. كان مثقفًا واسع الأفق، محبًا للأدب والرسم والموسيقى، وراعيًا للفنانين وأصحاب المواهب. ومن أجمل صفحات حكايته صداقته العميقة مع محمد عاكف أرصوي، الشاعر التركي الشهير، صاحب كلمات النشيد الوطني التركي. كانت صداقة تتجاوز اختلاف الثروة والمكانة، حتى إن عاكف لخصها ساخرًا بقوله، بمعنى عبارته، إن الفرق بينهما أن أحدهما شاعر فقير، والآخر أمير ثري كقارون. أما الصورة الثالثة، فهي التي أحببت أن أتوقف أمامها طويلًا. هنا، في الطابق الرابع من عمارة مصر، كانت هناك شقة فسيحة من أربع عشرة غرفة خصصها عباس حليم ليقيم فيها الأديب مدحت جمال كونتاي. لكنها لم تكن مجرد بيت. كانت، في عشرينيات القرن الماضي، صالون أدبي معلق فوق شارع الاستقلال، تلتقي فيه أسماء من الشعر والأدب والفكر، وتدور حول مائدته أحاديث الكتب والشعر والسياسة والحياة. والصورتان التاريخيتان المعلقتان على الجدار تحفظان شيئًا من ذلك الزمن. إحداهما توثق مأدبة أقيمت عام 1924 احتفاء بكتاب «عاصم»، واجتمع حولها محمد عاكف وعدد من كبار أدباء عصره. وفي الشقة نفسها أمضى محمد عاكف بعض أيامه الأخيرة قبل رحيله في ديسمبر 1936. وهكذا يصبح المبنى أكثر من حجر وشرفات ونوافذ. يصبح ذاكرة. في الصورة الأخيرة نجلس أنا وزوجتي على سطح العمارة، وإسطنبول وراءنا تتدرج حتى البوسفور. وبين اربعه صور التقطت اليوم وصور معلقة على جدران عمرها أكثر من قرن، شعرت أن المدن لا تحفظ تاريخها في المتاحف وحدها. أحيانًا تخبئه في عمارة يمر أمامها الآلاف دون أن يرفعوا رؤوسهم. ولعل أجمل ما في عمارة مصر أنها تحكي وجهًا آخر للعلاقة بين مصر وتركيا. علاقة لم تبدأ باتفاق سياسي، ولم تصنعها حكومتان، بل نسجها بشر. أمير مصري يرعى شاعرًا تركيًا. معماري أرمني يبني بيتًا لأمير من أسرة محمد علي. شعراء وأدباء يجتمعون حول مائدة واحدة. ومصر تسكن، بطريقة ما، مبنى في قلب إسطنبول. خرجت من العمارة وأنا أفكر أن التاريخ لا يطلب منا كثيرًا. فقط أن نراه قبل أن نعبر أمامه. وأن نرفع رؤوسنا أحيانًا فوق ضجيج الشارع، لنكتشف أن مصر قد تكون أقرب إلينا مما نظن، حتى ونحن نمشي في قلب إسطنبول. د. أيمن نور
..على هامش احتفال المولد النبوي ✴️الديون في جيب بيجامة الرئيس!✴️ بقلم د. أيمن نور 🔸 شاهدت لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفال المولد النبوي الشريف أكثر من مرة. شاهدته محاولا أن أبني موقفا موضوعيا، لا موقفا مسبقا، وأن أقرأ ما بين السطور في كلمة الرئيس، خصوصا في الأجزاء المرتجلة منها، ولا شك أن كلماته للفنانة هبه مجدي، كان لها أثر إنساني كبير في نفسي.. ▪️وكذلك استوقفني في الكلمة المكتوبة التي ألقاها وزير الأوقاف، والتي يمكن الانتباه لأكثر من معنى فيها، وفي مقدمتها الدعوة إلى الرحمة حتى مع من نكره. وهي عبارة أراها جديرة بأن تخرج من قاعة الاحتفال إلى فضاء السياسة والمجتمع والسجون والمنافي. 🔸 ولا شك أن في حديث الرئيس مؤشرات إيجابية اخري لا ينبغي لمعارض منصف أن يتجاهلها. منها حديثه عن كشف الحساب، وعن ضرورة أن يناقش المتخصصون والمفكرون ما جرى خلال السنوات الماضية، وإقراره بأن هناك ما تحقق، وهناك ما لم نوفق فيه، وأن من حق الناس أن تعرف وتناقش وتسأل. 🔸 واستوقفني أيضا، بإيجابية، استخدام الرئيس تعبير «القنوات المناوئة» في حديثه عن القنوات المعارضة. ربما تبدو المسألة لغوية صغيرة، لكنها في الخطاب السياسي ليست كذلك. فهناك فارق كبير بين أن تصف إعلاما معارضا بأنه «مناوئ»، وبين لغة اعتدنا سماعها طوال سنوات، تضع المختلف والمعارض في خانات التآمر والعداء والخيانة. المناوئ يختلف معك ويعارضك، لكنه يظل طرفا في المجال العام. أما المتآمر أو العدو، فالعلاقة معه ليست اختلافا سياسيا، بل مواجهة وإقصاء. 🔸 وأتمنى ألا تكون الكلمة اختيارا عابرا، بل بداية لتحول أوسع في النظر إلى المعارضة نفسها. فالاختلاف ليس مؤامرة. والنقد ليس عداء. والمعارضة السلمية ليست خطرا على الدولة، بل إحدى ضمانات تصحيح أخطائها قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات يصعب إصلاحها. 🔸 لكن وسط هذه الإشارات الإيجابية، استوقفتني عبارة أدهشتني. قال الرئيس: إنه طلب منذ أشهر من الحكومة موافاته بحجم مديونية الدولة المصرية داخليا وخارجيا، ثم طلب مقارنتها بحجم الدعم الذي قدمته الدولة للمواطنين خلال خمسين عاما ! 🔸 مصدر الدهشة الأول: أن الدين ليس رقما ظهر فجأة في دفتر الحكومة. إنه واحد من أكبر ملفات مصر الاقتصادية منذ سنوات طويلة. والأرقام هنا أكثر بلاغه. فالدين الخارجي لمصر كان في حدود خمسين مليار دولار عام ألفين وخمسة عشر، ثم تجاوز مائة وواحدا وستين مليار دولار في نهاية يونيو ألفين وخمسة وعشرين. أي أنه أصبح أكثر من ثلاثة أمثال مستواه قبل عشر سنوات، بزيادة تتجاوز مائة وعشرة مليارات دولار. 🔸 والأخطر من الرقم المجرد هو عبء خدمته. ففي موازنة العام المالي ألفين وخمسة وعشرين وألفين وستة وعشرين، تقترب فوائد الدين وحدها من تريليونين وثلاثمائة مليار جنيه، بينما تبلغ مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية نحو سبعمائة وثلاثة وأربعين مليار جنيه. أي أن فوائد الديون وحدها تقترب من ثلاثة أمثال هذا الباب الاجتماعي كله. 🔸 وهنا يصبح السؤال مشروعا: إذا كان الدين قد تضاعف بهذا الحجم خلال عشر سنوات، فهل يعقل أن يكون طلب الإحاطة الشاملة به قد جاء منذ بضعة أشهر فقط؟! ▪️قد يكون المقصود، إنصافا، تحديث البيانات أو إعداد دراسة محددة، وهذا تفسير وارد. لكن صياغة العبارة كما جاءت في الخطاب، توحي للبعض بتأخر الاهتمام بملف ينبغي أن يكون هما يوميا لمن بيده القرار الاقتصادي، لأن من يقترض اليوم لا ينفق مالا بلا صاحب، بل يوقع التزاما يسدده مواطن الغد. 🔸 وربما كان ضاعف من دهشتي أنني كنت من ٢٦ عاما شاهدا على واقعة قديمة أعطتني انطباعا مختلفا عن حضور ملف الدين في ذهن رئيس الدولة. 🔸ففي عام ألفين سافرت علي طائره الرئيس الراحل محمد حسني مبارك إلى منطقة توشكى. واختصني، من بين عدد كبير من الحضور، بأن أكون ضمن عدد محدود استقل معه طائرة هليكوبتر هبطت في توشكى مباشرة، بينما سافر باقي الحضور بطائرة مدنية إلى أبو سمبل، ثم انتقلوا منها بالسيارات. 🔸 وفي الرحلة كان مبارك يتحدث، كعادته وقتها، عن خلافه مع صدام حسين، الذي كان يحتل مساحة كبيرة من تفكيره وتعليقاته. وفجأة انتقل إلى الحديث عن إسقاط جانب ضخم من ديون مصر عقب حرب تحرير الكويت. 🔸 وسألني فجأة. تعرف يا نور ماذا فعلت عندما وصلني خطاب إسقاط الديون؟ أشرت برأسي أنني لا أعرف. فقال إنه وضع الخطاب في جيب بدلته، وظل كل فترة يخرجه ويقرأه من جديد. وعندما عاد إلى منزله وخلع بدلته وارتدى البيجامة، نقل الخطاب من جيب البدلة إلى جيب البيجامة، وظل يخرجه ويعيد قراءته. وفي اليوم التالي أعاده مرة أخرى إلى جيب بدلته، وكأن الرجل كان يخشى أن يستيقظ فيكتشف أن الخبر الجميل لم يكن حقيقة. 🔸 فالديون كانت، حرفيا ومجازيا، في جيب بيجامة الرئيس وتحت مخدته. 🔸 ولا أروي القصة بالطبع، حنينا إلى رئيس سابق، ولا لأقيم مقارنة بين رئيسين. ▪️فالشاهد عندي ليس فرحة مبارك بإعفاء مصر من الديون، بل أن ملف الدين كان حاضرا في ذهن رئيس الدولة إلى هذه الدرجة. فمصر حصلت عقب حرب الخليج على حزمة واسعة من إعفاءات الديون وإعادة هيكلتها، شملت إعفاءات بمليارات الدولارات من الولايات المتحدة ودول الخليج، إلى جانب معالجة ديون تقارب عشرين مليار دولار عبر نادي باريس.. 🔸 أما مصدر دهشتي الثاني، فهو المقارنة التي طلبها الرئيس بين الدين العام وما أنفقته الدولة على الدعم خلال خمسين عاما. وهنا أسأل. ما العلاقة الاقتصادية المباشرة بين الرقمين؟ وهل المقصود أن الدعم هو الذي صنع الدين؟ وإذا كان ذلك هو الاستنتاج، فأين بقية أبواب الإنفاق والاقتراض؟ وأين تكلفة المشروعات والاستثمارات العامة؟ وأين فوائد الديون القديمة؟ وأين آثار انخفاض العملة؟ وأين كفاءة استخدام القروض والعائد الذي تحقق منها؟ 🔸و هناك سؤال أبسط وأعمق. دعم من لمن؟ 🔸 الدولة ليست دولة الحكومة. وأموال الدولة ليست أموال السلطة. والمصريون ليسوا رعايا يعيشون على عطايا حكوماتهم. وما يسمى دعم الدولة هو في جوهره إعادة توزيع لجزء من الموارد العامة على أصحابها. خاصه وان الضرائب أصبحت المصدر الأكبر لإيرادات الموازنة، وتمثل في الموازنة الحالية نحو خمسة وثمانين في المائة من الإيرادات العامة المقدرة. أي أن المواطن يدفع للدولة قبل أن تدفع الدولة له. 🔸 ومن أهم وظائف أي دولة أن توفر لمواطنيها مظلة للأمن الاجتماعي، وأن تمول التعليم والصحة والنقل والخدمات الأساسية، وأن تحمي الفقراء والعاجزين عن مواجهة تكاليف الحياة. هذا ليس تفضلا من الحكومة، بل حق للمواطن وواجب على الدولة. 🔸 الدولة ليست شركة هدفها تعظيم الأرباح. والحكومة ليست مجموعة جباة تضع أيديها في جيوب الناس، ثم عندما تعيد إليهم جزءا مما جمعته منهم تقف أمامهم لتقول. انظروا كم أنفقنا عليكم. 🔸 وإذا كنا سنفتح دفاتر خمسين عاما، وأنا أرحب بذلك، فلنفتح الدفاتر كلها، لا دفتر الدعم وحده. ▪️لنسأل كم اقترضنا؟. وممن اقترضنا. وبأي فوائد. ▪️وأين أنفقنا. وما العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل مشروع اقترضنا من أجله.؟ ▪️ وكم خلق من فرص العمل.؟ ▪️وكم أضاف إلى الإنتاج والصادرات.؟ ▪️وكم وفر من العملات الأجنبية.؟ ▪️▪️ والاهم كيف سيسدد ومن اين؟ 🔸 ولنسأل بشفافية أيضا عن المشروعات الكبرى. عن العاصمة الإدارية. وعن العلمين. وعن الطرق والكباري والمدن الجديدة وغيرها. ليس بمنطق الإدانة المسبقة، ولا بمنطق التبرئة المسبقة، بل بمنطق حق المواطن في أن يعرف أين ذهب كل جنيه اقترض باسمه، وسيساهم هو وأبناؤه في سداده. 🔸 لو كان القرار بيدي لرحبت بفكرة كشف الحساب التي طرحها الرئيس، لكنني كنت سأغير السؤال. بدلا من أن نسأل المصريين كم أنفقت الدولة عليهم خلال خمسين عاما، نسأل الدولة كم دفع المصريون لها خلال خمسين عاما. وكم اقترضت باسمهم. وأين أنفقت ما اقترضته. وماذا بقي منه للأجيال القادمة. 🔸 وأضيف إلى كشف الحساب الاقتصادي كشف حساب سياسي أيضا. فإذا كان وصف الإعلام المعارض بأنه «مناوئ» بداية لغة جديدة، فلنستكملها باعتبار المعارضة جزءا من الوطن لا عدوا له. ولنفتح المجال للنقد كما نفتح دفاتر الدين. فكلاهما طريق إلى معرفة الحقيقة، وكلاهما أقل تكلفة من اكتشاف الأخطاء بعد أن تتحول إلى ديون سياسية واقتصادية تدفعها أجيال لم تشارك أصلا في صنعها. 🔸 فحقوق المواطن ليست عبئا على الحكومة. والدعم ليس دينا في رقبة الفقير. والحكومة ليست دائنا للشعب. 🔸 الشعب هو صاحب المال. وصاحب الدولة. وصاحب الحق في السؤال والحساب. 🔸 والسلطة، في النهاية، ليست إلا وكيلا. والوكيل يقدم الحساب لصاحب المال. ولا يمن عليه بما أنفقه من ماله.
✴️أليس لديكم غيري؟!✴️ بعد سنوات من شبه التوقف عن هذا الهزل الممنهج، عاد هذا الشهر زبانية إعلام العار والعبط سنوات إلى الوراء، وبطريقة أقرب إلى «للخلف دُر». عادوا، لا كعودة الابن الضال، ولا كعودة الشيخ إلى صباه، بل كعودة قلة العقل والمنطق والحكمة والأدب إلى من تصورنا، ولو للحظة، أنه بات أكثر رشدا، وأقدر على إدراك أن فتح الجبهات وتأجيج الصراعات لهما حسابات في التوقيت والموضع والهدف. ولا أظن الفاعل جاهلا بما يفعل، أنه يعرف، ويقصد أكثر مما يجهل، عامداً متعمداً. 🔸 فجأة، وفي شهر واحد، اكتشف هؤلاء المغيبون سلسلة مذهلة من «الحقائق» التي لم أكن، على ما يبدو، أعرفها عن نفسي! مثلاً: 1️⃣ أنا الذي موّل اعتصام #رابعة، رغم أنني لم أشارك فيه أصلا وكنت خارج مصر! 2️⃣ وأن ابن عمتي، الذي لا أعرفه، ولا أعرف أمه التي لا وجود لها في شجرة العائلة، كان يتاجر في المخدرات لتمويل #رابعة! 3️⃣ وأنني خططت ووجهت للهجوم على #السفارات، رغم إدانتي هذه الاعتداءات! 4️⃣ وأنني خططت وموّلت #قاع_الهامور! 5️⃣ وأنني أخطط لما يسمونه #حكومة_الظل، وهي حكومة لا ظل لها عندي! 6️⃣ وأنني أدير للإخوان ملفات كل القنوات، وأحرك الخيوط من وراء برفانات! 7️⃣ وربما، إذا استمر بهم الشطط بهذه السرعة، سيكتشفون قريبا أنني من أطلق مسيرة دمياط، أو أن لي يدا في اغتيال السادات! ▪️كلما ضاقت بهم الدنيا، اتسعت عندهم مساحة الأكاذيب المعلقة على شماعة اسمها #أيمن_نور. مرة أموّل الاعتصامات. ومرة أدير للإخوان كل القنوات. ومرة أدبر الهجوم على السفارات. ومرة أشتري شركات في جزر لا أعرف موقعها على الخريطة. ▪️وبهذا المعدل، لم يعد مستبعدا أن أستيقظ غدا فأكتشف أنني موّلت بناء الأهرامات، وشاركت ديلسبس في الحصول على الامتيازات ، وربما كنت وراء أزمة #سد_إثيوبيا، وتوتر العلاقات مع #أوروبا و#السعودية و#الإمارات! يا سادة... انكم تزرعون ألغاما، وتؤججون أزمات بدعوي مواجهتها، وتفتحون أبوابا لتهب منها رياحا لغضب مشروع ومستحق. تتألمون عندما نقول عنكم بعض الحقيقه، ولا تأبهون ان تقول ابواقكم عنا كل يوم الزور. ▪️المفارقة أنني عرفت هذا النوع من الحملات منذ عقود ولم يرجف لي جفن ولم تهتز شعره . ففي زمن الرئيس الراحل #حسني_مبارك، كانت هناك إدارة في أمن الدولة، لتوجيه الشائعات ضدي، لكنها، رغم كل شيء، كانت عملا شبه مؤسسيا، يدار بقدر ما من العقل والمنطق، أو على الأقل بحد أدنى من احترام عقل الشارع. ▪️وعندما كان البعض ينفلت باجتهاده او جهله إلى ما يتجاوز حتى حدود المعقول في صناعة الأكاذيب، كان هناك من يقول له: قف ...كفى. ▪️أتذكر مثلا المرحوم الأستاذ محمد علي إبراهيم، رئيس تحرير #الجمهورية، عندما تبنى روايات عبثية من طراز وجود علاقة غير مشروعة بيني وبين وزيرة #الخارجية_الأمريكية #كوندوليزا_رايس، أثمرت، بحسب خيال الرواية، عن «طفل خطيئة»! ▪️ثم جاءت الرواية الأعجب، وهي أنني شاركت في حرب #فيتنام ضمن الجيش #الأمريكي، وهي الحرب التي انتهت وأنا لا أزال في عامي الثاني، وقبل أن أعرف أصلا أين تقع فيتنام على الخريطة! وكيف لي ان احارب في بلد لم أزورها الى الان ضد بلد لم ولن ازورها بعد! ▪️لكن يومها كان في النظام عقلاء قالوا للرجل: توقف عن هذا العبث. فتوقف. ▪️🔸وهنا يصبح السؤال أكثر جدية من كل هذا العبث الساخر: أين عقلاء النظام اليوم؟ وأين هم من حملة تتصاعد بهذا الشكل، وفي شهر واحد، وكأن هناك من قرر فجأة إعادة إخراج أفلام قديمة رديئة، بالممثلين أنفسهم، والسيناريو نفسه، مع إضافة بعض المؤثرات الرخيصة؟ ▪️فالاختلاف السياسي مفهوم. والنقد مشروع. والخصومة لها قواعد. أما الكذب، حين يتحول إلى صناعة، والخيال المريض حين يرتدي ثياب الخبر، فليس سياسة ولا إعلاما، بل إساءة إلى عقل الناس قبل أن يكون إساءة إلى شخص بعينه. ▪️وكما قالت «الست» أم كلثوم ذات يوم... **للصبر حدود** . وكما قلت، وأسأل، وأكرر: أليس لديكم غيري؟!
تقدم الدكتور أيمن نور، رئيس حزب غد الثورة الليبرالي، بالتهنئة إلى الشعب المصري والأمة الإسلامية جمعاء بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، مؤكدا أن هذه الذكرى تمثل مناسبة للتذكير بالقيم السمحة التي جاء بها الإسلام من تسامح ومحبة وسلام. وقال الدكتور نور في بيانه: “نتقدم بأسمى آيات التهنئة والتبريك للشعب المصري العظيم وللأمة الإسلامية في كل مكان، بمناسبة ذكرى مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، سائلين المولى عز وجل أن يعيد هذه الذكرى على مصر وعلى العالم أجمع بالخير واليمن والبركات.” وأضاف رئيس حزب غد الثورة أن المولد النبوي الشريف يمثل فرصة سنوية لاستلهام القيم الإنسانية والأخلاقية التي حملتها الرسالة المحمدية، من عدل ومساواة وتكافل اجتماعي، مشددا على أهمية أن تكون هذه القيم حاضرة في الحياة السياسية والاجتماعية للمصريين في ظل التحديات الراهنة. كما دعا الدكتور نور إلى ضرورة تعزيز قيم التسامح ونبذ التطرف والعنف، مؤكدا أن الإسلام في جوهره دين وسطية واعتدال، وأن الاحتفال بذكرى المولد النبوي يجب أن يكون مناسبة لتوحيد الصفوف بين أبناء الوطن الواحد بمختلف انتماءاتهم الدينية والفكرية. واختتم رئيس حزب غد الثورة بيانه بالدعاء بأن يعم الأمن والاستقرار ربوع مصر والمنطقة العربية، متمنيا للجميع مولدا نبويا سعيدا.
سعد زغلول ومصطفى النحاس.. زعيما الوفد اللذان جمعهما النضال وموعد الرحيل https://t.co/Yk27nCf8xU