
Radwan Mortada
@radwanmortada · Libanon, Sýrie, Turecko, Irák, Jemen
Radwan Mortada je libanonský investigativní novinář a dokumentarista.
حكي فاضي ما عليه جُمرك من الرئاسة... لا تكتفي إسرائيل باحتلال مواقع في جنوب لبنان، بل تعمل، يوماً بعد يوم، على توسيع نطاق سيطرتها وفرض وقائع جديدة على الأرض، فيما يُترك أهالي القرى المحاذية للخط الأصفر وحدهم في مواجهة الاعتداءات والتهجير وتدمير ممتلكاتهم. في المناطق الواقعة خارج الخط الأصفر، يرسل جنود الجيش الإسرائيلي آليات مسيّرة وروبوتات مفخّخة لتفجيرها قرب منازل المواطنين، ويطلقون النار على البيوت ليلاً ونهاراً، بالتزامن مع قصف مدفعي متكرر. كما يعمدون إلى إحراق الأحراج والأشجار وإضرام النيران في بعض المنازل، في محاولة واضحة لجعل البقاء مستحيلاً ودفع الأهالي إلى إخلاء بيوتهم ومغادرة قراهم. وبعد خروج السكان، تبدأ مرحلة أخرى: يدخل الجنود إلى المنازل وينهبون ما يمكن نقله من محتوياتها، ثم يفجّرون البيوت واحداً تلو الآخر. هكذا، تتقدّم عملية التهجير والنهب والتدمير بالتوازي مع تمدّد إسرائيلي متواصل على الأرض وفرض واقع جديد في المنطقة المحاذية للخط الأصفر المحتل مثلما يحصل في حاريص وعيتا الجبل . وقد عمد الجنود الإسرائيليون، أمس، إلى إحراق حرج واسع من أشجار السنديان المعمّرة بين بلدتي بيت ياحون وعيتا الجبل، رغم أن الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» سبق أن فتّشاه مراراً، ما ينفي وجود أي ذريعة أمنية لاستهدافه كل ذلك يجري في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار، فيما لا يقوم الجيش اللبناني ولا رئيسا الجمهورية جوزاف عون والحكومة نوّاف سلام بأي تحرّك يُذكر لوقف هذه الانتهاكات أو حماية الأهالي ومنازلهم وأراضيهم. وفي المقابل، يواصل حزب الله التزامه بوقف إطلاق النار، فيما يجد أهالي الجنوب أنفسهم أمام سؤال يتكرر مع كل منزل يُحرق أو يُنهب أو يُفجّر: إلى متى ستستمر هذه الاعتداءات من دون أن يسأل عنهم أحد؟ وإلى متى سيُتركون وحدهم في مواجهة تمدّد إسرائيلي يجري أمام أعين الجميع؟
جيش التعفيش الإسرائيلي
نسي مارك ضو، نائب الإملاءات الأميركية الذي عرف الناس بوجوده إثر برنامج موّلته السفارة الأميركية، كل واجباته التشريعية، ولم يجد معركة يخوضها سوى الضغط على قاضٍ والتصويب عليه، لا لأنه خالف القانون، بل لأن ذنبه أنه لم يتعسّف في استخدامه. القاضي رجا حاموش أصدر قراراً واضحاً بإخلاء جميع النازحين من مبنى عجرم خلال أسبوع، لاحتلالهم ملكية خاصة. ثم، وبعد مراجعة إنسانية، منح القاطنين مهلة شهر إضافي قبل الإخلاء، تحت طائلة اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم. وما يتجاهله نائب «السيادة»، أو يتعمّد تجاهله، أن النيابة العامة، حتى في حالة احتلال عقار خاص، تملك صلاحية تأجيل تنفيذ الإخلاء متى رأت أن المصلحة العامة تقتضي ذلك. أي أن القاضي لم يُسقط حق المالك، ولم يُشرّع احتلال العقار، ولم يمتنع عن تطبيق القانون، بل استخدم صلاحية يتيحها له القانون في تقدير توقيت التنفيذ ومراعاة المصلحة العامة. لكن نائب «السيادة» لم يحتمل شهراً من الرحمة. تناسى أن هؤلاء لم يذهبوا إلى المبنى في رحلة سياحية، بل لجأوا إليه بعدما دمّرت إسرائيل بيوتهم وسحقت أرزاقهم وهجّرتهم، مع الإشارة إلى أنّ قرى هؤلاء لا تزال محتلّة. تناسى الاعتداءات الإسرائيلية، والخروقات اليومية، والاحتلال، والانتهاكات التي تجري تحت أعين الأميركيين وبمباركتهم. تناسى التعديات على الأملاك العامة، البحرية والنهرية والبرية، وتناسى فساد العقارات والمصارف والصفقات والتلزيمات وكل ما يفترض بنائب أن يسأل عنه ويحاسب عليه. ترك كل ذلك، ووجد «معركته السيادية» أخيراً: قاضٍ مارس صلاحياته القانونية، فالتمس شهراً من الرحمة لنازحين دمّرت إسرائيل منازلهم. هكذا تصبح السيادة عند مارك ضو: صمتٌ أمام المعتدي، واستعراضُ قوة على الضحية، وهجومٌ على قاضٍ لأن القانون في يده لم يتحوّل إلى أداة انتقام.
داود الشريان، الذي شكّل لسنوات ركناً من أركان ماكينة الإعلام السعودي، لا يترك فرصة إلا ويوظّفها في أداء مهمته. وما اقتطعه من هذه المقابلة ليس سوى محاولة جديدة لاستكمال شيطنة حزب الله مع فئة من اللبنانيين، وصولاً إلى جعل قتلنا على يد إسرائيل أمراً يمكن تفهّمه وتبريره. ما قلته في المقابلة واضح، وسياقه أوضح: لم أبرّر قتل مدني واحد في سوريا، ولم أقل يوماً إن دم السوريين مباح. كنت أتحدث عن سردية دعائية خليجية شيطنت حزب الله وصوّرته كأنه قتل «أطفال سوريا» ومليون سوري، وقدّمت رجاله، عبر سنوات من الحملات الممنهجة، بوصفهم وحوشاً وقتلة وتجار مخدرات. والوقائع لا تُبنى بالتغريدات. وما قلته إنّ التقديرات الأعلى لضحايا الحرب السورية بأكملها تدور حول مئات الآلاف من القتلى من مختلف الأطراف، لا «مليوناً قتلهم حزب الله وحده». وكانت سوريا ساحة حرب موّل فيها العالم أطرافاً متعددة، وسُلّحت فيها تنظيمات وفصائل متطرفة ارتكبت جرائم موثقة من قتل وذبح وتعذيب على الهوية، حتى إن بعضها أحرق الناس أحياءً أمام عدسات العالم. كما تلقّت فصائل مسلحة ومتطرفة دعماً وتمويلاً من دول إقليمية وخليجية، بينها بلاد الشريان. والإشارة إلى هذه الحقائق ليست تبريراً لأي جريمة ارتُكبت، بل رفضٌ لتزوير التاريخ واختزاله في سردية واحدة. وفي هذا تحديداً كان سياق كلامي: أن حزب الله دخل الحرب في سوريا وقاتل تنظيمات متطرفة مارست القتل والذبح والتنكيل، وأن تصوير تدخله وكأنه كان حملة لقتل المدنيين السوريين العزّل هو ما أرفضه. وهذا لا يعني تبرير أي جريمة أو انتهاك. أما حديث الشريان اليوم عن «تبرير القتل»، فالمفارقة فيه ثقيلة. لم نسمع هذه اللغة الأخلاقية الصارمة منه إزاء مقتل زميله جمال خاشقجي وتقطيع جثمانه داخل قنصلية بلاده، ولا إزاء الآلاف الذين تُضرب رقابهم في الساحات والمغرّدين الذين يملأون معتقلات بلاده، ولا إزاء آلاف المدنيين الذين سقطوا في حرب اليمن على يد مرتزقة يقودهم جيش بلاده. الانتقائية في حرمة الدم لا تصنع موقفاً أخلاقياً. وللمفارقة أيضاً، فإن السلطة السورية الحالية، التي يُراد تقديمها بوصفها نقيضاً أخلاقياً لكل ما سبق، تتعامل ببراغماتية كاملة مع روسيا، صاحبة التدخل العسكري الأبرز إلى جانب النظام السابق، وتحافظ على العلاقة معها وعلى مصالحها ووجودها العسكري. حتى إن «الفاتح» أبو محمد الجولاني، أحمد الشرع، ذهب إلى موسكو وصافح رئيسها بوتين، ثم شكره وأشاد بالدور التاريخي لروسيا في استقرار المنطقة، فيما لا تزال قواعدها العسكرية في سوريا. هكذا تعمل السياسة عندما تتعلق بالمصالح، لكنها تتحول فجأة إلى درس في الأخلاق عندما يكون المطلوب تصفية الحساب مع حزب الله. أنا لا أبرّر القتل، لا في سوريا ولا في اليمن ولا في أي مكان، وأرفض الجرائم أياً يكن مرتكبها. لكنني أرفض أيضاً أن يمنحنا داود الشريان درساً في حرمة الدم، فيما تُستحضر الضحية عندما تخدم أجندته السياسية، ويُصمت عنها عندما يكون القاتل حليفاً أو دولةً ينتمي إليها. أما «عصا موسى» التي يبحث عنها الشريان لتغيير قناعات الآخرين، فربما الأجدى أن يبدأ بها من ذاكرته الانتقائية التي ترى بعض الدماء جرائم، وبعضها الآخر مجرد تفاصيل.
أجمل ما في «الوليمة» الأولى أنها طُبخت بعفوية كاملة، من دون تحضير مسبق، ومع ذلك أحدثت كل هذا الصدى والانتشار. بدأت الفكرة ببساطة مع زيارة الدكتور حسن أحمديان إلى لبنان. أردنا أن نستفيد من وجوده، فاتصلنا ببعض الأصدقاء لنجتمع حول مائدة ودردشة غير منسّقة سلفاً؛ مساحة للنقاش تشبه حواراتنا اليومية أكثر مما تشبه البرامج التلفزيونية. وأُنجز كل شيء خلال بضعة أيام. لم يكن هناك مدير للحوار، ولا مَحَاوِر حلقة، ولا أسئلة معدّة مسبقاً. كل شيء كان تلقائياً. وحدها المائدة كانت مقصودة، رغم بعض الاعتراضات: أردناها وليمة على شرف الضيف، ننطلق منها إلى حكايات الطعام والثقافة والمجتمع، وما يجمع ويفرّق بين المطبخين اللبناني والإيراني، قبل أن يأخذ الحديث مساره الخاص. أعجبت التجربة كثيرين، وانتقدها كثيرون، وهذا طبيعي؛ فرضا الناس غاية لا تُدرك. لكن ما أسعدنا أنها أثارت كل هذا النقاش والجدل، حتى قبل عرضها. ولم يخلُ الجدل من اجتهادات حول هوية «الوليمة» وتمويلها؛ فقيل إنها ممولة قطرياً، وسمّاها آخر «وليمة حزب الله». والحقيقة أبسط بكثير: الحلقة موّلت من جيبنا الخاص، حتى إننا نسينا أن نروّج للمكان الذي استضافنا، مقهى «عالأول» في الحمرا، لصديقنا العزيز كريم هاشم، الذي نتمنى له كل التوفيق. أما الولائم المقبلة، فباب المساهمة في إنتاجها مفتوح لمن يرغب، شرط أن تبقى المساهمة في الإنتاج، لا في الرأي أو الموقف. ويمكن لمن يرغب بدعم إنتاجات «المحطة» المساهمة عبر Patreon: https://t.co/SX5GxLhRr3 قرأنا معظم ردود الفعل، الإيجابية والناقدة، وسنأخذ الكثير منها معنا إلى الوليمة التالية. فـ«الوليمة» ليست قالباً ثابتاً نريد نسخه وتكراره، بل مساحة تتشكّل في كل مرة بحسب ضيوفها وحوارها ومائدتها. والوليمة المقبلة… ستُطبخ على نار مختلفة.